الشوكاني
188
فتح القدير
كتاب ، ويجوز النصب على المصدر : أي وذكر به ذكرى قاله البصريون . ويجوز الجر حملا على موضع لتنذر أي للإنذار والذكرى ، وتخصيص الذكرى بالمؤمنين لأنهم الذين ينجع فيهم ذلك ، وفيه إشارة إلى تخصيص الإنذار بالكافرين . قوله ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) يعني الكتاب ومثله السنة لقوله - وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا - ونحوها من الآيات ، وهو أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته ، وقيل هو أمر للأمة بعد أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ ، وهو منزل إليهم بواسطة إنزاله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) نهى للأمة عن أن يتبعوا أولياء من دون الله يعبدونهم ويجعلونهم شركاء لله ، فالضمير على هذا في ( من دونه ) يرجع إلى رب ، ويجوز أن يرجع إلى " ما " في ما أنزل إليكم : أي لا تتبعوا من دون كتاب الله أولياء تقلدونهم في دينكم كما كان يفعله أهل الجاهلية من طاعة الرؤساء فيما يحللونه لهم ويحرمونه عليهم . قوله ( قليلا ما تذكرون ) انتصاب قليلا على أنه صفة لمصدر محذوف للفعل المتأخر : أي تذكرا قليلا ، وما مزيدة للتوكيد أو هو منتصب على الحال من فاعل لا تتبعوا ، وما مصدرية : أي لا تتبعوا من دونه أولياء قليلا تذكرهم قرئ ( تذكرون ) بالتخفيف بحذف إحدى التاءين ، وقرئ بالتشديد على الإدغام . قوله ( وكم من قرية أهلكناها ) كم هي الخبرية المفيدة للتكثير وهي في موضع رفع على الابتداء و ( أهلكناها ) الخبر ، ومن قرية تمييز ، ويجوز أن تكون في محل نصب بإضمار فعل بعدها لا قبلها ، لأن لها صدر الكلام ، ولولا اشتغال أهلكناها بالضمير لجاز انتصاب كم به ، والقرية موضع اجتماع الناس : أي كم من قرية من القرى الكبيرة أهلكناها نفسها بإهلاك أهلها ، أو أهلكنا أهلها ، والمراد أردنا إهلاكها . قوله ( فجاءها بأسنا ) معطوف على أهلكنا بتقدير الإرادة كما مر ، لأن ترتيب مجئ البأس على الإهلاك لا يصح إلا بهذا التقدير ، إذ الإهلاك هو نفس مجئ اليأس . وقال الفراء : إن الفاء بمعنى الواو فلا يلزم التقدير ، والمعنى : أهلكناها وجاءها بأسنا ، والواو لمطلق الجمع لا ترتيب فيها ، وقيل إن الإهلاك واقع لبعض أهل القرية ، فيكون المعنى : وكم من قرية أهلكنا بعض أهلها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع ، وقيل المعنى : وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا ، وقيل أهلكناها بإرسال ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا ، والبأس : هو العذاب . وحكى عن الفراء أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون المعنى : وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها ، مثل دنا فقرب وقرب فدنا ( بياتا ) أي ليلا ، لأنه يبات فيه ، يقال بات يبيت بيتا وبياتا ، وهو مصدر واقع موقع الحال : أي بائتين . قوله ( أو هم قائلون ) معطوف على بياتا : أي بائتين أو قائلين ، وجاءت الجملة الحالية بدون واو استثقالا لاجتماع الواوين واو العطف وواو الحال ، هكذا قال الفراء . واعترضه الزجاج فقال : هذا خطأ بل لا يحتاج إلى الواو ، تقول : جاءني زيد راكبا أو هو ماش لأن في الجملة ضميرا قد عاد إلى الأول ، وأو في هذا الموضع للتفصيل لا للشك . والقيلولة هي نوم نصف النهار . وقيل هي مجرد الاستراحة في ذلك الوقت لشدة الحر من دون نوم ، وخص الوقتين لأنهما وقت السكون والدعة فمجئ العذاب فيهما أشد وأفظع . قوله ( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) الدعوى : الدعاء : أي فما كان دعاؤهم ربهم عند نزول العذاب إلا اعترافهم بالظلم على أنفسهم ، ومثله - وآخر دعواهم - أي آخر دعائهم ، وقيل الدعوى هنا بمعنى الادعاء ، والمعنى : ما كان ما يدعونه لدينهم وينتحلونه إلا اعترافهم ببطلانه وفساده ، واسم كان ( إلا أن قالوا ) وخبرها ( دعواهم ) ويجوز العكس ، والمعنى : ما كان دعواهم إلا قولهم إنا كنا ظالمين . قوله ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) هذا وعيد شديد ، والسؤال للقوم الذين أرسل الله إليهم الرسل من الأمم السالفة للتقريع والتوبيخ ، واللام لام القسم : أي لنسألنهم عما أجابوا به رسلهم عند دعوتهم ،